د.محمود محيى الدين، الخبير الاقتصادى العالمى “العالم لم يشهد الأزمات المجتمعة فى وقت واحد فيما يشبه العاصفة الكاملة، كما يجرى الآن”

عالمية أخبار تقارير

أكد الدكتور محمود محيى الدين، الخبير الاقتصادى العالمى والأستاذ فى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، والنائب السابق لرئيس البنك الدولى، أن العالم يواجه حالة غير مسبوقة فى التاريخ، نتيجة فيروس كورونا وتداعياته، خاصة أن الأولوية الآن للعالم هى الصحة وحياة الناس.  وقال محيى الدين من الولايات المتحدة الأمريكية، إن ما يواجهه العالم حاليا لم يشهده منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وما تبعها من نظام عالمى بقواعده وترتيباته. وتابع أن العالم لم يشهد الأزمات المجتمعة فى وقت واحد فيما يشبه العاصفة الكاملة، كما يجرى حاليا، لافتا أنه يأمل أن تنتهى الأزمة الحالية قريبا ويتم احتواؤها عبر ايجاد علاج معترف به عالميًا فعال، يكون فى متناول الجميع، مضيفا: علينا الاستعداد دائماً للأسوأ والتطلع للأفضل. 

ووصف محمود محيى الدين ما يشهده العالم حاليا بأنه أزمة عالمية كبرى تمس حياه البشر  فى ظل الارتفاع الكبير فى أعداد الضحايا والمصابين، معتبرا أن التهديد الأخطر هو سرعة انتشار هذا الفيروس، وتأثيره على الحياه وانتظام الناس فى أعمالهم وحياتهم الاجتماعية، موضحا أن البعد الثانى هو تأثير الفيروس على الشأن الاقتصادى والاجتماعى بصورة غير مسبوقة، مشيرا إلى أن أزمة الكساد الكبير فى الثلاثينات من القرن الماضى، كانت أزمة طلب، لكن الأزمة الحالية عبارة عن أزمة مزدوجة من ناحية الطلب والعرض حيث تضررت قطاعات النقل والسياحة والترفيه، كما أن قطاعات مثل السلع الاستهلاكية  والملابس  للبيع تعرض بضاعتها  بتخفيضات قد تصل لـ80% فى غير موسم التخفيضات لا يقبل الناس عليها ربما خوفا على أموالهم أو حتى خوفا من تجربة وقياس الملابس فالأولوية الآن للرعاية الصحية والأغذية الأساسية. 

الجانب الآخر للأزمة بحسب محيى الدين هو التوقف المفاجئ لسلاسل الإمداد والإنتاج، وبالتالى لم تصل الخامات أو المعدات أو تعطل وصول المكونات فضلا عن تغيب العمال والعاملين عن المصانع والشركات ووسائل النقل، وهذا الأمر له تداعياته على الصناعة وإنتاجيتها وهذا يحد من المعروض وهو الجانب الآخر للأزمة الأول الطلب والثانى العرض وهو أمر غير مسبوق على الصعيد العالمى.وحول مدى تأثير الأزمة على النمو العالمى، أشار  الدكتور محمود محيى الدين إلى أن أربعة من الاقتصاديين الكبار ورؤساء سابقين للبحوث بصندوق النقد الدولى تراوحت توقعاتهم بين الانكماش الشديد لأن  يكون النمو بالسالب فى عام 2020، فيما قدرت منظمة التعاون الاقتصادى تراجع النمو العالمى إلى 1.25 %،  مخفضة توقعها للنمو إلى النصف، لافتا إلى أهمية التدخل السريع لمواجهة انخفاض النمو مما يستدعى تنشيط الاقتصاد العالمى ولا سيما أن التداعيات ستكون كبيرة على البطالة والتشغيل المختلفة وحتى الاقتصاد غير الرسمى، متأثرة بتراجع  قطاعات السياحة والإنتاج والتوزيع فضلاً عن قطاعات الترفيه والخدمات.    وحول الانخفاضات الحادة فى بورصات العالم أوضح محيى الدين أن ما يحدث هو رد فعل لطبيعة الأزمة وتأثيرها على صحة الناس وحياتهم وأنشطتهم الاقتصادية وستتعافى البورصات مع الاطمئنان لوجود فاكسين وعلاج معتمد من منظمة الصحة العالمية وكذلك عند الإعلان رسميا من هيئة الصحة العالمية بأن الفيروس تحت السيطرة.   وتابع أنه سبق صدور تقرير فى عام 2019 تحت عنوان «عالم فى خطر» من مجلس متخصص مستقل يضم 15 عضوًا من الخبراء يحذر من أن العالم لا يأخذ التهديدات فى مجال الصحة  والسعى لتحقيق التنمية المستدامة فيها بمحمل الجد، وحذر من تعرض العالم لوباء وهو ما حدث حيث لم يستفد العالم من الأوبئة السابقة التى تعرض لها مثل سارس وأيبولا وغيرها، مؤكدا أن العالم ليس لديه استعداد كاف للتعامل مع الأوبئة، ولم يهتم بشكل كاف بالطب الوقائى، وبالتالى هذا الأمر يستدعى الاهتمام بشكل كبير بالتأمين الصحى الشامل. وشدد محيى الدين على أهمية التركيز على التنمية المحلية من خلال توطين التنمية فى المحافظات مثلا فى مصر، بحيث تكون كل قرية وحى ومدينة لديها القدر الكاف واللائق من الخدمات والإمكانيات، ويمكن تطبيق ذلك مثلا فى الصحة من خلال وحدات صحية مناسبة، وأتصور أن الأزمة الحالية تحمل فى طياتها سبل الاستفادة منها بشكل كبير فى طريقة التعامل المستقبلية، وكذلك ترتيب الأولويات للمجتمعات خاصة أن الأزمة طالت الجميع والفقير والموسر والكبير والصغير وكل الدول تقريبا. وبالتالى من المهم ضخ استثمارات لتوطين التنمية  والاستثمار فى المجتمع المحلى وخدماته التعليمية والصحية وبنيته الأساسية بما فيها المواصلات المحلية  والصرف الصحى والتعامل بيئيًا مع المخلفات والنظافة  وأكد محمود محيى الدين، على أهمية أن تقوم الحكومات بالدور المنوط بها وأن يقوم القطاع الخاص بدوره وألا يطغى دور أى منهما على الآخر، فى مجاله مما يؤدى لتحسن الأداء بشكل كبير، فالحكومة معنية برعاية المواطنين وخدمتهم  والمجتمع وبالتالى معنية أكثر  من القطاع الخاص بتوفير الخدمات الصحية والمرافق الأساسية والتعليم والسلع والمواصلات  أما القطاع  الخاص المشغل الأكبر للعاملين فى قطاعات الانتاج ووالخدمات وذلك فى إطار واجب من المنافسة ومنع الاحتكار والتنافسية وتحت إشراف الحكومة ووفق معايير التنمية المستدامة.  أضاف أنه من المهم أيضا أن يقوم القطاع الخاص بدوره وليس بدور الحكومة، وبالتالى عليه مسؤولية بعد القيام بواجبه الأساسى فى الإنتاج ودفع الضرائب والجمارك والوفاء بالالتزامات القانونية والرقابية إضافة إلى الاستثمار المؤثر من خلال الاهتمام بالتعامل مع أزمة التغيرات المناخية ومكافحة الفقر وتحقيق أهداف التنمية المستدامة علاوة على دور المجتمع المدنى فى هذه الأزمة، التى تتطلب تضافر كافة الجهود لأنها أزمة عالمية كبرى ويجب ألا يمر التعامل معها مرور الكرام والتعلم منها لأنها بمثابة تهديد كبير. وأوضح أن الوضع الحالى يقتضى أن تكون الصحة هى الأولوية الأولى يعنى «مينفعش التقشف فى تعامل الأزمة» لأن الحياه نفسها مهددة، لكن لابد من إنفاق عام منضبط للقطاعات الأكثر تأثرا بالأزمة وأن يكون التدخل الجراحى دقيقا وقويا وموجها لموطن الألم نفسه، مشيرا إلى أن هناك قطاعات ستكون رابحة من الأزمة منها قطاع الديجيتال والرقمنة، لأنها ستكون محل طلب كبير للغاية ولا سيما من أجل التعليم عن بعد وتطبيق الخدمات عن بعد. أيضا كما كان هناك أغنياء حرب سيكون هناك أغنياء كورونا مثل المحتكرين ممن يتكسبون بالأزمات والاحتكار . وأشار إلى أنه من الممكن التعلم من الأزمة من خلال ما فعلته الدول التى تعاملت معها بالفعل ففى دول دخلتها وتعاملت معها بقوة مثل الصين وكوريا وسنغافورة، ودول تتصدى لها  بصعوبات، ودول بدأت فى الأخذ بالمحاذير والإجراءات الاحترازية. وفيما يتعلق بالتداعيات الاقتصادية الناتجة عن كورونا قال إنها ستكون كبيرة لأنها أصابت كل الدول، وبالتالى سيتراجع النمو العالمى وعلى كل الدول مراجعة معدلات نموها خاصة أن هناك منشآت أغلقت وبطالة ارتفعت وتراجعت الدخول، على سبيل المثال ذكرت منظمة العمل الدولية أن دخول العاملين من الممكن أن تتراجع  بحوالى  ٣.٥ تريليون دولار، فى ظل وجود عمالة غير منتظمة  والعمالة الموسمية والمؤقتة، لافتا إلى ضرورة التعامل مع هذه التحديات بالتعاون بين الحكومات والقطاع الانتاجى وممثلى العاملين وأرباب الأعمال. وأوضح أنه بقدر  انعكاس الأزمة إيجابيًا  على ضرورة الاهتمام بالصحة والتحول الرقمى بقدر انعكاسها سلبيا على العديد من القطاعات، بجانب الأبعاد السياسية لها، فبعد الأزمة سيكون هناك عالم مختلف وواقع جديد، فيه فائزون وفيه خاسرون حيث تم اختبار  قدرات الدول والحكومات والقطاع الخاص سواء من فشل أو نجح، وطبعا لابد من مراجعة كل ذلك وتحسين أوضاعنا وسياسات التعامل مع المعطيات الجديدة. وحدد الدكتور محمود محيى الدين ٣ إجراءات مهمة على مستوى العالم، أولها الصحة والعلاج والوقاية فالأزمة فرصة ذهبية للقطاع الصحى للاستفادة منها من خلال تقوية نفسه وتحسين إمكانيات العاملين فيه ،وضخ استثمارات مناسبة له وتحسين مستوى مرافقه ووحداته الصحية وفق المعايير الدولية. أيضا من المهم اهتمام الأفراد والشركات والمجتمع بالقطاع الصحى سواء التأمين الصحى أو الرعاية أو الطب الوقائى والنظافة والاهتمام بالبيئة وإدارة المخلفات الصلبة  ومنع ظهور العشوائيات والرقابة الصحية على الغذاء والأسواق، فالصحة من أوائل أهداف التنمية المستدامة، وعلى هذا الأساس لابد أن يشمل التأمين الصحى الجميع بلا استثناء وتخصيص التمويلات الكافية لذلك. اما الإجراء الثانى فيرتبط بما اتخذته  الدول والحكومات من إجراءات للتعامل مع آثار الأزمة، مثل تحفيز الاستثمار وتخفيض الفائدة ومراجعة السياسات الضريبية، وهى إجراءات مالية ونقدية وإدارية بجانب تنظيم الأسواق مع دعم القطاعات المتأثرة ومساندة العاملين فى قطاعات الإنتاج السلعى والخدمى، موضحا أن المؤسسات المصرية بعد الإصلاح الاقتصادى سواء البنوك أو القطاع المالى غير المصرفى يمكن الاعتماد عليها وقت الشدة وما قامت به مصر يتوافق مع الاتجاه العالمى، بجانب أهمية الشراكة مع القطاع الخاص فى تجاوزها. أما الأمر الثالث، كما يراه الدكتور محمود محيى الدين، يتمثل فى أهمية التعامل مع الأسر والأفراد الذين تأثروا بالأزمة، ولابد من الاستفادة من الإجراءات المبكرة التى تعاملت مع هذا الأمر عبر توسيع الضمان الاجتماعى  لتصل للجميع مع تفعيل نظام التأمين مع العمل، ومصر لها تجربة مميزة من خلال تكافل وكرامة والدعم النقدى واستخدام صناديق البريد فى توصيل الأموال للمستحقين، وبالتالى لابد من البناء على تجربة مصر فى هذا الشأن، بحيث  يتم مساعدة الأسر وفقا للاحتياجات من الادوية والأغذية والمنظفات وغيرها حسب الاحتياجات. وحول إمكانية تعامل  مصر مع الأزمة العالمية فى شقها الاقتصادى دولياً  قال إنه يمكن استخدام قنوات التعاون الفنى والمالى الدولى والاستفادة من التمويل الذى أتاحته المنظمات الدولية لاستكمال مشروعات التامين الصحى والتعليم  والتنمية البشرية والتحول الرقمى. أيضا يمكن الاستفادة من الأزمة بتبديل القروض  القديمة بأخرى لتخفيض تكلفة خدمات الديون الخارجية خاصة مع انخفاض فائدة الدولار. وأشار إلى أنه من المهم الاستفادة من الهبوط الكبير فى أسعار الوقود بعمل تعاقدات طويلة الأجل مما ينعكس على تخفيض أسعار الطاقة على الأسر والأفراد والشركات، فضلا عن الاهتمام بالأطفال فى سن الدراسة ففى مدينة نيويورك مثلا يتم رعاية ٣٠٠ ألف طفل  يعتمدون على التغذية المدرسية بتوفير الأغذية لهم ولابد من توصيل الغذاء لكل الأطفال  بالتعاون مع مؤسسات المجتمع المدنى  بضوابط صحية. بجانب ذلك، يشدد محيى الدين على أهمية التعامل مع الحدث والرد على الشائعات من خلال الإعلام الرسمى والمسئول  وإظهار  كافة الحقائق  للمجتمع بعيدا عن التضليل فالإعلام هو جزء من السياسية العامة للدولة. والتحقق من دقة المعلومات ضرورة فى وقت الأزمات والاعتماد على المصادر الرسمية خاصة فى مجالات الصحة والقرارات المتعلقة بها.  وحول رؤيته لانتهاء هذا الوباء أشار إلى أنه لا يمكن التكهن بذلك لكن بمجرد الإعلان رسميا عن السيطرة على الوباء وإيجاد العلاج والمصل سيعاود النشاط الاقتصادى والتجارى الحركة وينشط قطاع النقل التجارى ثم المسافرين  لكن هذا مرتبط بما تقرره منظمة الصحة العالمية. وينهى بالقول إنه بعد هذه المربكات التى شكلت ما أسميه الأزمة العالمية الكبرى، بعد احتوائها  سيعاود الناس نشاطهم وتستمر الحياة بمشيئة الله بعد فترة الاضطراب هذه، وسنكون بصدد عالم مختلف بموازين واعتبارات  جديدة وواقع جديد له اقتصادياته وسياساته وأنماط وقواعد جديدة. فهذه الأزمة العالمية الكبرى سيكون لها ما بعدها كمرحلة فارقة فى حياة عموم الناس.

شارك رابط الموضوع